أبو ريحان البيروني

63

القانون المسعودي

وبفتح محمود الجدّي لهذه البلاد يبدأ دور الحكم الإسلامي فيها وهو أظهر أدوار الهند التاريخية على الإطلاق ، وقد انتهى بضم البريطانيين تلك البلاد إلى مستعمراتهم منتصف القرن الماضي . ويتجلى مظهر الإسلام بطبيعته ، كدين ومدنية ، واضحا مشرقا عند ذلك الفاتح الغزنوي حين كان يجالد بعسكره جند الهند في حومة القتال ويناظر بعلمائه براهمتهم في حلقات الدرس ومعه أبو الريحان البيروني العالم بالسنسكريتية وآدابها . ولقد صاحب البيروني محمود ثلاثة عشرة مرة في غزواته الهندية أتيح له فيها أن يحيط بعلوم الهند ويقرأ أسفارها ويخالط علماءها ، حتى إذا ما اطمأن إلى ما وقف عليه من مختلف فنون المعرفة عندهم وعرف بتقاليدهم ورسومهم وألم بمناهجهم في البحث وطرائقهم في إعمال الفكر ، خرج يعرض علينا في سفره الكبير - موضوع مقالنا - حضارة الهند ومدنيتها عرضا شاملا يتميز بدراساته النقدية العميقة المستفيضة . والكثير مما يضمه هذا الكتاب من المعلومات القيمة لم يكن بالجديد على المسلمين في ذلك الوقت فحسب ، بل لقد كان كذلك حتى بالنسبة للثقافة الأوروبية في العصور الحديثة على ما يشير إليه المستشرق الألماني إدوارد ساخاو في الصفحة الرابعة من المقدمة القيمة التي صدر بها هذا الكتاب حين نهض بتحقيقه ونشره أواخر القرن الماضي . ولقد سبق البيروني إلى وصف الهند سفير إغريقي ، وحاجان بوذيان من الصين . أما السفير اليوناني فهو ميغاستين الذي بعث به سلوكس الأول عام 395 ق . م . إلى جندراكبتا مؤسس دولة الموريا ، بعد جلاء الإسكندر عن الهند ، يسأله تحويل مجرى التجارة الهندية من الطريق البحري الذي يؤدي إلى البحر الأحمر فمصر ، إلى الطريق البري عبر إيران والعراق والشام وكانت من أراضيه . ولم يبق لنا من وصف هذا السفير للهند إلا مقتطفات قليلة تشير إلى ازدهار الحضارة الهندية ( cambridge hist . of india 348 , 467 ) . أما الحاجان الصينيان فهما فاهيان وهيون سانغ وقد قدما الهند في القرنين الخامس والسابع الميلاديين على التوالي . وفي مذكراتهما وصف شيق لبلاط ملوك الهند وما كان به من فلاسفة وشعراء ، وما كان بتلك البلاد من جامعات ومنها